الحسن الهمداني ( ابن الحائك )
314
الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير
. . .
--> - معن بن زائدة الذي زيدت به * شرفا على شرف بنو شيبان قال : كلا يا أمير المؤمنين ! إنما أعطيته على قوله من هذه القصيدة : ما زلت يوم الهاشمية معلنا * بالسيف دون خليفة الرحمن فمنعت حوزته وكنت وقاءه * من وقع كل مهند وسنان فقال : أحسنت يا معن . وقال له يوما : ما أكثر وقوع الناس في قومك ؟ فقال يا أمير المؤمنين : إن العرانين تلقاها محسّدة * ولا ترى اللئام من الناس خسّادا ودخل على معن بعض الفصحاء ، فقال : إني لو أردت أن أستشفع عليك لوجدت ذلك سهلا ، ولكني استشفعت ذلك بقدرك ، واستغنيت بفضلك فإن رأيت أن تضعني من كرمك بحيث وضعت نفسي من رجائك فافعل ؛ فإني لم أكرم نفسي عن مسألتك ، فأكرم وجهي عن ردك . ولما أراد المنصور أن يولي معنا اليمن ، قال : قد أملتك لأمر ؛ فكيف تكون فيه ؟ قال : كما يحب أمير المؤمنين ، قال : قد وليتك اليمن ؛ فابسط السيف فيهم حتى تنقض حلف ربيعة واليمن ، وأبلغ من ذلك ما يحب أمير المؤمنين . فولاه اليمن وتوجه إليه ودخله سنة اثنتين وأربعين ومائة هجرية ، وأقام فيه سبع سنين ، على أصح الأقوال ، وامتثل أمر الدوانيقي ، فبسط السيف فيهم حتى أسرف . وحلف ربيعة واليمن ، هما حلفان : أحدهما حلف جاهلي والآخر حلف إسلامي ، عقده فيما بينهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان اللّه عليه ، وقد ذكرناهما في غير هذا المحل . وكانت لمعن باليمن أيام ووقائع ، تارة له ، وتارة عليه ؛ فمنها يوم المنضج في حدود شمال اليمن ، ومنها أيام صعدة مع القيل الكبير محمد بن أبان الخنفري ، ويوم الكثيب قرب أبين ، وكانت هذه الأيام عليه . ومن فظائعه الوحشية : حادثة الجند وهي مشهورة مذكورة في التواريخ ، ومن أحلك حوادثه المجازر التي قام بها بحضرموت ؛ فقد أوقع بأهلها حتى بلغت القتلى خمسة عشر ألفا ، وقتله الأمير الخطير عمرو بن عبد اللّه بن زيد الحميري خديعة وغيلة . ولكن لم تطل هذه الدماء الزكية ، ولا ذهبت هدرا ، بل دفع معن الثمن باهظا عن نفسه وعن قومه ، الذين ألقي بهم في مهاوي الزلل وغرّته وصاية المنصور التي ما نفعته في دنياه ولا في أخراه ؛ فقد قامت اليمانية بنفس السلاح الذي أغمده في نحورهم فأغمدوه في نحره ونحر قومه ، وجزاء سيئة سيئة مثلها ، والبادي أظلم . وذلك أنه بلغ الأمير عقبة بن مسلم الهنائي الأزدي أمير اليمامة والبحرين ، وهو من عظماء سادة قحطان ، ما صنعه معن بقومه باليمن فقام بدوره فنصب الذرائع أمام قوم معن من ربيعة وعبد القيس ، بأسباب قتلهم أبا الساج عامل المنصور على اليمامة والبحرين فقتل منهم مقتلة عظيمة مجازاة لما فعل معن باليمن ، وقال : « واللّه لو كان معن على فرس جواد ، وأنا على حمار أعرج لسبقته إلى النار » . وسبي العرب والموالي ، وأعطاهم رسول المنصور جائزة له ، وأمره أن ينادي بهم في سوق البصرة في خبر طويل ، وانتهت هذه الأعمال الوحشية بمأمول المنصور من التفرقة بين الحيين وقتل الناس الأبرياء بدون مبرر ، وهي بطبيعة الحال رأي المتمسك بقولهم : « فرق تسد » . وأما معن بن زائدة فقد أشربوه بكأس مترعة زعاف ، إذ انتدب لأخذ الثأر من معن أولاد القيل المذكور ، -